أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

234

التوحيد

والأصل عند الحسين إنه عند الفعل مضيع أحد القدرتين ولا عذر له في التضييع ، وعند المعتزلة لا قدرة لا بالتضييع ولا غيره ، فأي الوصفين أشبه بالجبر لو كان ثمة إنصاف ؟ ثم الذي يحقق أن المعتزلة هي المجبرة قولهم : للعبد الفعل شاء العبد أو أبى ، ومن زالت عنه المشيئة في فعل فهو ساه أو جاهل أو عاجز لا يخلو عن ذلك ، مع ما قد جعلوا للعبد أن يريد في سلطان اللّه ما لا يريده ، ويشاء في ملكه ما لا يشاؤه ، وهو يشاء خلافه ، ويريد غيره ، وذلك علامة القسر والجبر ، فعابت الجبرية في جبر العبد بما رأوا للّه الملك والجلال ، ثم قالت بجبر رب العالمين سفها بغير علم ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم نذكر طرفا مما عابت المعتزلة حسينا في النطق ووافقته في التحصيل . قال حسين : الكافر وقت كفره ليست له قدرة الإيمان ، وقدرة الإيمان عنده التوفيق والعصمة ، ووافقته المعتزلة على أنه ليس بمعصوم ولا موفق ، بل هو مخذول متروك على رأيه ، وذلك معنى قدرة الكفر عند الحسين . فاتفقا على المعنى الذي اختلفا في اسمه ، فحق المسألة بينهم في جعل التوفيق والعصمة قوة الإيمان ، والترك والخذلان قوة الكفر لا إفراد التكلم في القدرة والإغضاء عن حقيقة ما يجب القول به ، وباللّه التوفيق . وقال حسين : معنى الإرادة في اللّه سبحانه أنه لم يغلب ولم يقهر ، وقد أعطت المعتزلة هذا المعنى في جميع أفعال الخلق ، إنه لم يغلب ولم يقهر ، فتبطل المسألة في الإرادة ، إنما بقيت في تأويل الإرادة لا غير . مع ما كان من قول الحسين : إن أفعال العباد مخلوقة ، فأراد خالقها كونها على ما خلقها ، ومذهب المعتزلة إنها ليست بمخلوقة للّه ، فتكون المسألة في خلق الأفعال لا في الإرادة . وقال الكعبي : الإرادة معناها أنه مختار غير مغلوب ، فمثله في كل شيء يلزمه ، ثم المعتزلة ليست تثبت للّه إلى العالم سوى أن كان ، ولم يكن عالم ، ثم كان عالما ، فصار بذلك المعنى خالقا له ، مريدا على الوجه الذي ذكر . فقال حسين في أفعال العباد : إنه إذ كان ولا هذه الأفعال ، ثم كانت هذه ، وكانت بإرادته التي تأويلها ما وصفه وبأن خلقها بأن كان ولم تكن هي ، ولا قوة إلّا باللّه . على أن حسينا يجعله في الأول مريدا لكون الخلق على ما كان ، وكذلك لكون كل مخلوق على ما كان بإرادته ، والمعتزلة تنفي معنى الإرادة ، لا تجعل غير أن كان ، ولم يكن الخلق ، ثم كان ، فحق ذلك فيه أوجب ، ولا قوة إلّا باللّه . وقالت المعتزلة الوعيد يأخذ من أخرجه فعله عن الإيمان ، وكذلك قال حسين وجميع أهل الإرجاء إن كان من استحق بفعله زوال اسم الإيمان فهو كله في النار أبدا ، ولا قوة إلّا باللّه .